العنف في الخطاب السياسي السوري

ماجد حبو //  

في البدء كانت الكلمة

ولد الخطاب السوري السوري الحديث في خضم صراع تحرري للأحتلال ” الأنتداب ” الفرنسي , وفي حالة عنفية مأزومة أجتماعيا ووطنيا : التركة الثقيلة للأحتلال العثماني الطويل ومخلفاته على البنية الأجتماعية ” نظام الملل والنحل ” و الأحتلالات الأوروبية وتقسيم الوطن العربي ” سايكس – بيكو ” والثورة العربية الكبرى بتداخلاتها الدولية , والصراع الدولي على ” تركه الرجل المريض ” والأجواء العامة للحرب العالمية الأولى .

مجموع هذه العناصر بالأضافة الى ” الخيانات الداخلية والخارجية ” كانت السمه العامه للحياة السياسية السورية في بداياتها .

تفاوت الخطاب السياسي الوطني في مواجهه الأحتلال الفرنسي بين – الرضا والقبول وبين الرفض والمقاومة وبين الصمت والترقب – وبدت المسافة بين الخطاب السياسي بين الفرقاء السياسين والفعاليات الأجتماعية والدينية واضحة وبينه في الكثير من المفاصل السياسية الحادة : القبول بالأنتداب الى مقاومته , العمل بمؤسسات دوله الأنتداب الى رفضه , القبول بالتقسيم بدويلات سورية الى رفضه …. لكن القاسم المشترك كان هو الأنتداب بشكل مباشر الى حلفاءه المحليين بشكل غير ذلك .

أستطاعت النخب الوطنية السورية مبكرا الأهتداء الى خطاب وطني جامع وعابر للمكونات والفعاليات السورية – دينيا ومذهبيا واثنيا – عبر الشعار الناجع والفعال ” الدين لله والوطن للجميع “ .

شكل هذا الشعار مظله ورافعه للجميع بالأنتماء الى وطن واحد جامع وشامل , ومثل بالتالي حالة من السكينة والهدوء في الخطاب السياسي لجميع الفرقاء , بالرغم من الجهود العالية في الأتجاه المعاكس لدولة الأنتداب وحلفائها المحليين , ونجحت الثورة السورية الكبرى ونخبها السياسية بالوصول الى الأستقلال الأول في ظل ذلك الخطاب الجامع وبهدوء نسبي لم يخلو من عنف الخطاب السياسي بين الفرقاء في البعض من المواقف والمحطات التاريخية البارزة : الموقف من الثورات المحلية في بعض المناطق , الموقف من الوفد السوري الى مؤتمر باريس …..

الدولة الوطنية الأولى

شكلت حكومة الأستقلال أمتداد نسبي ورمزي لقوى الثورة السورية وتجاذباتها السياسية بين الكتل السياسة آنذاك : الكتلة الوطنية وحزب الشعب , والمشاريع السياسية الدائرة من حلف بغداد الى ما عداها , وتميزت الحياة السياسية بنوع من ” الديمقراطية النسبية ” في الخطاب السياسي وقتها , وأنعكس ذلك في الحياة البرلمانية الفاعلة والمتنافسة بعيدا عن التعصب والعنف السياسي الحاد والفاصل ” الأقصاء والتخوين ” وشهدت الحياة السياسية العامة التنافس والمعارك السياسية الحاده والفاعلة النشطة من أجل المشاريع السياسية والأيديولوجات السائدة وقتها , كل ذلك أنعكس بشكل مباشر على الخطاب السياسي للنخب والأحزاب السياسية الفاعلة وقتها بنوع المعارك الأعلامية الشرعية والمشروعة ” بأستثناءات ملحوظه ” .

الأحزاب السياسية السورية والخطاب السياسي

شكلت الأيديولوجيات : القومية , الدينية والأشتراكية المادة الأولى للنخب والأحزاب السياسية السورية مبكرا قبل الدخول الخجول للتيار الليبرالي وآفوله المبكر , وكانت التباينات في المواقف والقراءات السياسية عالية جدا في بعض الأحيان تصل لحدود التخوين ” الموقف من قرار التقسيم , الموقف من الوحدة , الموقف من الأحلاف الدولية …” لكنها ظلت صراعات بينيه بين تلك القوى والأحزاب , ولم تتطور الى صراعات على مستوى السلطة الا مع دخول ” العسكر ” الى الحياة السياسية من بوابة الأنقلابات – كرد فعل على عجز الساسه !!!

شكل دخول العسكر الى الحياة السياسية السورية منعطف حاد – كمي ونوعي – وأسس لخطاب عنفي متبادل بالأستناد الى خطاب أيديولوجي سياسي – ديني – قومي , أرتكز على : الأقصاء , التهميش , التكفير , التخوين , التحريم والتجريم …. !!!!

وشهدت الأدبيات السياسية السورية موجة عالية من التهم والتهم المضادة , وأرتفع منسوب العنف بالخطاب السياسي الى مستويات غير مسبوقة , وترجمت ذلك الخطاب السياسي العنفي في الكثير من الأحيان الى ممارسات سياسية مباشرة بين الفرقاء السياسين : الشيوعي , البعثي , القومي السوري , الناصري والأخوان المسلمين ….

قام الخطاب الشيوعي – الماركسي عل مستوى عالي من ” العنف الثوري , ديكتاتورية الطبقة العاملة ….” على المستوى النظري , وأسس لقطيعة معرفية ثقافية مع المجتمع من جهه , ومع باقي القوى السياسية من جهه أخرى , وباتت المسافة ملحوظة وقسوة الخطاب ” العدائي المتبادل ” والذي وصل لمرحلة التخوين أو التكفير .

قدم البعث نظريتة وأيديولوجيته السياسية مغلفه بمقدسات ترتقي لمستوى الخلود , كما آلغى الجميع بدون أستثناء من الحق ” في قيادة الدولة والمجتمع ” بأعتبارة الحزب القائد مستندا الى العسكره .

الأخوان السلمين أستندوا الى ” النص الديني ” وفق تفسيرهم الى تكفير خصومهم السياسين وتخوينهم بمرجعيات دينية – سياسية , متكئين الى عصبيات مذهبية أو قومية في الكثير من الأوقات .

هكذا كان الخطاب السياسي ومستوى العنف الحامل له في الحياة السياسية السورية .

ألغت الأنقلابات العسكرية المتعاقبة في سورية – الحياة السياسية – وسعت الى عسكره الحياة السياسية بل والدولة كذلك , وبطريقتها العسكرية وسمت الأحزاب السياسية وعززت الشهوة لديها ” بالصرامة العسكرية ” التي تقوم على مبدأ ” الطاعه ” وتلغي فكرة ” الحوار ” حتى على مستوى الحياه الحزبية الداخلية ” تعيش الأحزاب السريه عموما حاله من اللاديمقراطيه بحكم الواقع ” .

شكل أحتكار السلطة من قبل العسكر للسلطة وأعطاء بعض الرتوش السياسية الخجولة مناخا مستعصيا للحياة السياسية أنعكس بخطابها السياسي بمستويين متفاوتين : الرضوخ والذيلية التام  , الحقد والكيدية السياسي , وبات واضحا الخطاب السياسي المعلن والمضمر سواء للسلطة أو للنخب والأحزاب السياسية بحسب حالة المد والجذر السياسي العام .

وشهدنا حتى على مستوى الخطاب الثقافي – السياسي للنخب والمثقفين السياسين مستوى من ” الرمزية والمواربة في الخطاب الثقافي والسياسي ” .

1963 – 1970

كانت الحظوة للمؤسسة العسكرية وملحقاتها السياسية ” لكن بالروحية العسكرية – الأنظباط والصرامة – هي السمة العامة للخطاب السياسي الرسمي في كل مفاصل الحياة السياسية ” لاصوت يعلو فوق صوت المعركة ” .

شكلت هذه الصرامة والتفرد بالقرار السياسي حاله ” عنفية مضمرة ” لدى كل الفرقاء السياسين مقابل ” رضوخ وتذلل سياسي معلن ” في خطاب النخب والأحزاب السياسية .

1970 – 2011

أسست ” الحركة التصحيحية ” عودة فاضحة ومكشوفة ” للعسكره ” مع غطاء شفاف وهزيل ” للجبهه الوطنية ” كمدخل وحيد وأضطراري للحياة السياسية السورية , وأرتفع مستوى العنف بالخطاب السياسي تجاه خصومهم ” حلفاء الآمس ” لحد السجن أو التصفية الجسدية .

سطوة مفاهيم وتعابير أعلامية في الخطاب السياسي الرسمي : الأب القائد , باني سورية الحديثة , سورية الأ… , الى الآبد يا ……

وباتت تحتكر السلطة الخطاب الأعلامي وتنظمه وفق مستويات : الرجعية العربية العميلة , أخوان الشياطين , الأمبريالية الأمريكية , الصهيونية والرجعية العربية , وعلى المستوى الداخلي للأفراد : عضو عامل , نصير و مستقل حيادي – ايجابي وسلبي !!!

وعلى مستوى الأحزاب طالت ذات التوليفة بمسميات مختلفة .

باتت السلطة منتجه للعنف والخطاب العنفي تجاه المجتمع ككل و وشكل ذلك حالة من الأرتداد عن السياسة ” تكميم الآفواه – التدليس والنفاق ” مع باطنية دعويه سرية ومستتره عالية في ظل قبضة أمنية مفترسه وشرسه .

غابت الحياة السياسية كليا عن المشهد العام وبالتالي غاب الخطاب السياسي , وباتت الخطابات السياسية تأخذ شكل ” الخطب السياسية للقائد ” أو النشرات السياسية الداخلية .

في المقابل أرتفع الخطاب ” المستتر ” لدى الخصوم ” وباتت الفجوه لانهائية وغير قابله للردم في الوضع القائم , وساد ” حوار الطرشان ” على الخطاب الأعلامي ” .

2011

سادت أجواء الربيع العربي في الحياة السياسية السورية ” وفي الشارع الشعبي والسياسي , وبات الحلم والطموح يداعب النخب والأحزاب السياسية , بل عموم الشارع الشعبي والسياسي بنوع من الأنفتاح والبحبوحة السياسية والأمنية , وبالتالي مساحة من التعبير السياسي الهادئ والسلس .

كانت الشعارات السياسية المبكرة والأولى تحمل قسطا من التسامح السياسي والبعيد عن العنف في الخطاب المعلن ……..

لكننا اليوم نشهد سطوة الخطاب الدموي ” قولا وفعلا ” بين أطراف لايمكن اللقاء بينها , مع مستوى عالي من تكميم الآفواه والخطاب , وغياب فاضح ومستهتر بالقيم الوطنية , وتبرير مفضوح لكل العنف – القتل – وتخندق لايلتقي على أيه قواسم مشتركة !!!

التخوين , العنف , الدعوة الى القتل , تم الدعس ….. هي مفردات الخطاب الأعلامي السياسي السوري اليوم , مقابل بعض الأصوات المكتومة من وراء جدران المعتقلات أو المخيمات أو بلدان اللجوء بالمناشدات الأنسانية للفرد السوري بغض النظر عن موقعه السياسي و أصوات لاتجد صداها عند السوريين أولا , وهي كذلك عند المجتمع الدولي .

 

ماجد حبو

انتقل إلى أعلى