هل أمام سوريا منفذ آخر ينقذ الشعب السوري

هدى المصري //

من المؤلم أن نتحدث عن مآسي الحياة في سوريا أمام انفجار جديد لكارثة إنسانية في الحسكة تمثلت بأحداث سجن الصناعة وما أدت إليه من تدمير وقتل وتهجير..من المؤسف أن نتحدث عن الوضع الإنساني في الدواخل السورية أمام تهديدات إرهابية مستمرة لخلايا داعشية تهدد أمن الإنسانية في المنطقة والعالم..

ونحن رهن سلطات الأمر الواقع وقيد الانتظار اليائس دون أي مبادرات دولية جادة تعطي الأولوية لإنهاء المعاناة الإنسانية في سوريا، بعد عشر سنوات من النزاعات العسكرية وسنة ونصف من العقوبات الاقتصادية الأمريكية حيث تتفاقم يومياً مأساة الشعب السوري بشكل مفزع.

نشر قيصر في العام 2015 صوراً عن التعذيب والانتهاك في السجون التقطها بكاميرا العمل، ونجح كل من قيصر والنشطاء نجاحاً منقطع النظيرفي فضح التعذيب والموت في المعتقلات وأدت هذه الصور إلى هزة إنسانية عنيفة وكانت أساس نضال فئة من النشطاء السوريين والسياسيين الأمريكيين باستصدار الحكومة الأمريكية لقانون قيصر للعقوبات الاقتصادية أحادية الجانب لمعاقبة النظام السوري على ممارساته اللاإنسانية ضد شعبه وأفعاله المرتبطة بصور التعذيب. تلك العقوبات التي يصفها الأمريكي و مُتبنوها والمدافعون عنها بأنها عقوبات ذكية لا تمس الجانب الإنساني للمواطن السوري على الأرض السورية..، اليوم بعد مضي عام ونصف على بدأ تطبيق العقوبات ماهي النتائج، وهل حقاً العقوبات كانت ذكية واستطاعت تحقيق هدفها السامي ومعاقبة ومحاسبة النظام ورموزه؟؟؟

على ارض الواقع ، وباعتبار سوريا مؤلفة من نظام حكم وشعب وكما جرى سابقاً عند تطبيق عقوبات اقتصادية على أنظمة سياسية في بعض الدول (العراق  في التسعينات مثالاً) لم تتمتع عقوبات قيصر بالذكاء الكافي ولم يستطع مبتكرها منع استثمارها وتوظيفها بنجاح من الطرف الأقوى  وهو النظام وداعميه الدوليين ومن والاه من منتفعي الحرب ولم يستطع أن يتفادى الإضرار المباشر بالمواطن ليتحول الطرف الأضعف وهو الشعب إلى ملايين السجناء المحكومين دولياَ بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة -“بالمعنى الحرفي للكلمة”- الخاضعين للتعذيب اليومي المتواصل على مدار 24 ساعة وليس للسجين قرار وليس له إرادة بالتغييريقضي حياته منتظراَ نهاية مجهولة.

مقابل آلاف صور الكاميرا القيصرية التقطت الأقمار الصناعية من الفضاء  صور لحشود وطوابير بشرية تصطف في أقسى وأشد الظروف للحصول على فتات، ولمظاهر انقطاع الكهرباء، ولصفوف طويلة من آليات المواصلات والنقل المتوقفة إجبارياً لنقص الوقود، عدا عن الآلاف من صوروفيديوهات الهواتف الذكية التي تتداولها وسائل التواصل حول مظاهر صعوبات حياتية يومية يعيشها الفرد للحصول على أدنى حقوقه كمواطن وغير ذلك من اشكال التعذيب وهدر الحياة وانتهاك الكرامة الإنسانية لأبعد الحدود، وبالتالي، وبغض النظر عن الهدف الشخصي، نجح موظف الأمن المنشق قيصر وحلفائه في تحويل سوريا إلى سجن واحد كبير مليء بملايين صور التعذيب اليومي وتحويل حياة المواطن السوري (الذي إما أنه اختار البقاء أو فشل في الهروب والانشقاق) إلى ملحمة وجودية (يعجزعن وصفها أعظم الشعراء)..

ولكن وللأسف الشديد رغم وضوحها البالغ يتعامى عن الحقيقة المؤلمة والمستقبل المظلم كل من سعى إلى العقوبات أو احتفى بتطبيقها، ورغم وجود نسخ سابقة لدمار الإنسانية على يد العقوبات الاقتصادية في دول حكمها ويحكمها الاستبداد السياسي يستمر ساسة العالم اليوم بالمشاركة بارتكاب جريمة القتل العمد بحق الإنسان السوري متجاهلين حجم الكارثة الإنسانية.

لقد تحولت حياة المواطن السوري قسرياً إلى حالة انتظار لنهايات فردية مجهولة (بعد عذاب دائم لا يملك في مواجهته أي من تكاليف الانعتاق) ولقد تم بنجاح عزل حياة الفرد عن الحياة العامة للأمة.

والوضع الحياتي بشكل عام في دمشق ومحيطها وفي كل المدن السورية يميل إلى تسجيل نفس الملاحظات رغم اختلاف تعداد السكان بين المناطق:

ولعل أول ما يمكن لفت الانتباه إليه هو العزوف التام عن الحياة السياسية (بما في ذلك بالحد الأدنى المتمثل بدعم النشطاء او التحلق حولهم) ويأتي في مقدمة أهم وأبرز العوامل الإحباط واليأس من إمكانية التغيير ضمن الظروف السياسية والقتصادية المفروضة. ويمكننا تعداد بعض صور الحياة اليومية على النحو التالي:

  • يأس الشباب والسعي بأي كلفة للهجرة إلى جهة يظنون بأنها أفضل.
  • شلل الحياة العامة لفقدان الكهرباء عصب الحياة وكل ما يرتبط بها من صحة وتربية وتعليم ومظاهر حضارية إنسانية.
  • النقص الشديد بالوقود والمحروقات منزلياً وصناعياً
  • أزمة المواصلات المتفاقمة.
  • الزيادة الكبيرة بالفوارق الطبقية حيث تكاد الطبقة الوسطى أن تتلاشى تماماً.
  • ضعف دخل الفرد واتساع الفجوة بين الدخل والاحتياج اليومي بحده الأدنى.
  • ارتفاع ظاهرة عمالة الأطفال.
  • تفاقم كبير لظاهرة التسول.
  • ارتفاع نسبة العنف والجريمة.
  • انتشار السلاح وفوضى استخدامه وما ينتج عن ذلك من تهديدات ومخاطر.
  • ارتفاع أسعار المنازل وكلفة الترميم للمنازل المتضررة جراء الحرب، وارتفاع الأجارات والضرائب الجديدة المفروضة على التعاملات العقارية.
  • أزمة الدواء والصحة العامة.
  • انتشار المخدرات.
  • التخبط الحكومي بالتعامل مع ضرورات الحياة الأساسية رغم الجهود الكبيرة المبذولة.
  • البطاقة الذكية وما يرافقها من طوابيرانتظار ومضاربات في السوق السوداء.
  • الضغط الحكومي على الفئات الأضعف مادياً بفرض ضرائب متنوعة وتقييمات مستجدة. (آخرها ضريبة على ساندويش الفلافل/الشاورما/البطاطا التي قد يكتفي بها عامل مُياوم كوجبة وحيدة عن يوم عمل كامل).
  • العزوف عن الأعمال الزراعية وتربية الدواجن والثروة الحيوانية والمشروعات الصغيرة بسبب نقص الأعلاف وغلائها المستمر.
  • إغلاق العديد من المحال التجارية والمعامل لعدم استقرار سوق العمل والجباية الحكومية العشوائية والظروف الاقتصادية العامة.
  • بيروقراطية الجمركة وتأخير وصول البضائع اللازمة للصناعات المحلية.
  • استفحال الفساد.

والقائمة تطول وتطول لتنتقل بنا للحديث عن الاحتياجات الإنسانية الطارئة والملّحة.

  • الاحتياج الوطني للحفاظ على الشباب ومعالجة مشاكل البطالة والخدمة الإلزامية.
  • الاحتياج الفائق لمصادر الطاقة وخاصة الكهرباء، (أوصلت المواطن السوري أن يصبح أحد أهم أحلامه الصعبة المنال الاستحمام بماء شبه دافىء).
  • الاحتياج الصحي والطبابة العامة وتأمين الدواء.
  • الاحتياج الاقتصادي والتفاوت الشديد في الدخل ومعدل الإنفاق اليومي مع شبه تلاشي الطبقة الوسطى ودورها في التوازن:

حيث يتطلب -مع الارتفاع العالمي للأسعار- بالحد الأدنى يومياً للبقاء على قيد الحياة والوصول لمكان الدراسة أو العمل للفرد (بين عمر 16 و60 عام) ما يقارب 3  دولار أمريكي (بحدود 11 ألف ليرة سورية) وتعجز اليوم الرواتب والأجور الحكومية في متوسطها عن تأمين ثلث الحد الأدنى للفرد، وتدني دخل الفرد من الرواتب والأجور يضعنا بمواجهة سؤال يطرح نفسه باستمرار عن قدرة الشعب السوري على التحمل والبحث في مصادر دخله لتأمين المتطلبات الأساسية؟؟  لنرى صورة أكثر إيلاماً تحدد مصادر جديدة للدخل يأتي في مقدمتها

الإعانة المالية الخارجية من الأهل والأقارب بتقدم المساعدة المالية ولو بالحد الأدنى.

التكافل الاجتماعي عبر المؤسسات الخيرية والدينية أو المعارف.

التسول.

الفساد الإداري واستغلال المنصب في أي مؤسسة حكومية

  • الاحتياج النفسي للأفراد: حيث نشاهد بوضوح البؤس الاجتماعي الناجم عن الفقر المدقع بسبب الفقد العائلي للمعيل أو عدم قدرته على النهوض بالمسؤولية العائلية وعجز وفشل الحكومة عن سد الاحتياجات (الأرامل والأيتام) وبالتالي ازدياد عمالة الأطفال وازدياد التسول والتشرد والتسرب من التعليم وما ينجم عن ذلك من حالات استغلال واعتلالات نفسية وعوامل خطورة حالية ومستقبلية وارتفاع نسبة العنف والجريمة والانحدار الأخلاقي.
  • احتياج الاستقرار والثبات والوضوح بأسلوب التعامل الحكومي بشكل أساسي مما ينعكس على النشاط الزراعي والصناعي والتجاري والثروة الحيوانية وخلق فرص العمل.
  • الاحتياج التربوي والمعالجة المتكاملة لمشاكل تدني وتراجع التعليم

وكل هذه الاحتياجات ترتبط ببعضها ارتباطاً عضوياً وثيقاً مما ينقلنا إلى طرح القضية المحورية والسؤال الوجودي: بعد انتهاء المد الأكبر للنزاعات العسكرية ، قضية مواجهة مسؤولية انهيار شعب بأكمله من يتحملها وماهي عواقبها وهل يمكن وضع حد للتدهور الإنساني السوري الهائل؟؟؟

وأمام هذه المشاهد الغير خافية داخلياً وخارجياً على أحد لابد (بمزيد من الاستهجان والرفض والإصرار) من التساؤل حول جمود الحراك السياسي وتأخير التفاوض على المستوى الوطني على أساس المصلحة الوطنية أولاً بعيداً عن الأجندات الإقليمية والدولية؟؟؟ وبعد عقود من التصحر السياسي وسنوات من التدمير الذاتي المدعوم دولياً وبعد كل المعاناة الإنسانية السورية هل أمام سوريا منفذ آخر ينقذ الشعب السوري ويحقق المصالحة والمصلحة الوطنية؟؟؟

لا بد من التوجه نحو المواطنة الكاملة من خلال مسار سياسي وطني خالص نحو دولة مدنية ديمقراطية تعيد استقرار سوريا سياسياَ واقتصادياً واجتماعياً وتسمح لها بعقد شراكات وتحالفات دولية جديدة تحقق المصلحة الوطنية قبل أي مصلحة وفي ذات الوقت تمنح فرص الاستثمار لكافة الشركاء والحلفاء الداعمين للاستقرار.

مداخلة الأستاذة هدى المصري في ندوة حوارية على الرابط التالي: