سوريا والسوريون.. إلى أين ؟

هيثم مناع

قبل انطلاق الحراك الشعبي السلمي في درعا في 18/03/2011 بعامين، وفي محاضرة في برشلونة، اختصرت الأعراض الكارثية لهيمنة السلطة الأمنية الدكتاتورية ومنظومة الفساد العامة في حالة استعصاء عامة ثلاثية الأطراف:

هدم العقد الأساسي بين  الدولة والشخص والمجتمع

تحطيم مقومات مجتمع مدني قادر على حماية المواطن والمستضعف

ضرب شروط الحدود الدنيا للعمل والمعاش

فقد قارب إعلان حالة الطوارئ وقتئذ على النصف قرن، في بلد فصّل الجنرال الأسد الدستور على مقاسه، ورغم ذلك، لم يضعه يوما قيد التنفيذ أو الاحترام. وألغت فيه السلطات الأمنية استقلالية أقوى النقابات المهنية والتعبيرات المدنية والأحزاب المعارضة، وزجت من يرفع الصوت منها في السجون. ولج الفساد في مؤسسات  صناعة القرار الفاعلة عسكرية وأمنية، وأحيت الأجهزة الأمنية كل النوازع العضوية قبل المدنية في بناء عصبيتها الداخلية، المنتجة بالضرورة لعصبيات مغلقة في المجتمع نفسه كأشكال دفاع ذاتية هشة. لقد تردت الأوضاع لدرجة تسمح بالاحتجاج على من يتحدث عن وجود “نظام” في سوريا، فهذا التعبير نفسه، بطاقة تعريف لا يستحقها تجمع المصالح العسكري الأمني الحاكم في دمشق.

انطلق الشباب في درعا في أول انتفاضة سلمية في التاريخ تأتي من الريف والأطراف بعيدا عن العاصمة، ونجحوا في الامتداد في كامل المحافظة ثم استنهاض باقي المحافظات. ولم تجد الأجهزة الأمنية وسيلة لمواجهة هذا الحراك التاريخي سوى المواجهة الأمنية العسكرية مع الصدور العارية. لم يتعرض الشباب للضرب بالهروات أو الرصاص المطاطي، فمن اليوم الأول استعمل السلاح الحي وبدأت قائمة الشهداء تنهال علينا في اللجنة العربية لحقوق الإنسان. كنت شخصيا بتواصل يومي مع أبناء درعا، وقام شقيقي الشهيد معن العودات بتوزيع قمصان كتب عليها: سلمية ولو قتلوا كل يوم مية. وارتفعت يافطات واحد واحد الشعب السوري واحد، شعب وجيش إيد وحده… ليصدر عن الرئاسة السورية، بعد شهرين، قرار عفو، ليس عن معتقلي شبيبة الثورة الشعبية السلمية، بل عن 1200 من معتقلي صيدنايا من التنظيمات السلفية الجهادية، الذين ومنذ خروجهم من المعتقل، باشروا تشكيل فصائل مسلحة.

في وجه هذه السياسة الجهنمية للسلطة، كتبتُ لصحيفة الموند ديبلوماتيك، الطبعة العربية مقالا بعنوان: الربيع السوري والثورة المضادة، في تموز/يوليو 2011 في محاولة لمواجهة الطوفان الإعلامي المزور للوقائع والملوث بالمذهبية وتجميل العنف والتطبيع مع فكرة التدخل الخارجي جاء فيه:

“طوال فترة التصحر السياسي الماضية، ظهرت ثوابت أساسية تُعتبر المغذيات الأساس لأشكال المقاومة المدنية والنهضة والتغيير اليوم، من المفيد استرجاعها سريعاً:

–        التغيير الديمقراطي الفعلي مشروع مجتمعيّ يبنى من الداخل ومن تحت ولا يتحقق من الخارج أو من فوق.

–        الاحتلال العسكري، كما هو حال التمرد الداخلي المسلح، وجهان لعملة واحدة تعزّز الدكتاتورية أو تعيد إنتاجها بتعبيرات أكثر شراسة. والسبيل الوحيد للخلاص من النظم التسلّطية القائمة هو المقاومة المدنية السلميّة التي تضمن الإنتساب الأوسع للمجتمع في عملية التغيير الديمقراطي.

–        على كل المدافعين عن الحرية في وجه الاستبداد والفساد رفض سياسة المحاور واعتبار نضالهم مشروع إعادة صياغة مدنية وجيوسياسية واستراتيجية على أساس ميزان قوى جديد، مشروع يعتبر المواطن نقطة الارتكاز المركزية في العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، والشعب أساس السيادة وعنصر الارتباط بين الاستقلال الأول والاستقلال الثاني.

–        في غياب حمالة اجتماعية تقليدية لمشروع التغيير، لا بد من استقراء ذلك عبر كسر حالة العزوف عن المشاركة المدنية والسياسية بابتكار وسائل جديدة للنضال، والإندماج الواسع للشباب بشكل يسمح بخروج المعارضة الديمقراطية من حالة جماعة محاصرة محدودة العدد والعدّة، إلى حركة اجتماعية فاعلة بكلّ معنى الكلمة.”. أ.ه

لا أدري كم من السوريين قرأ هذا المقال، لكنني أعرف أن السوريين والسوريات الذين قرأوه وناقشوني به، انتهى الأمر بهم اليوم، إلى الإغتيال والاعتقال والتغييب القسري أو اللا إرادي، وبأحسن الأحوال المنافي.

نجحت الحركات الجهادية والإخونجية مع السلطات السورية، في اغتيال ثورة شعب، واختطاف تضحياته وتحطيم أركان الدولة والنسيج المجتمعي السوري، عندما نقلت المواجهة، عن سابق إصرار وتصميم، من معسكر مليوني سلمي مطالب بالتغيير، إلى مجموعات مسلحة، سورية وغير سورية، تخوض مواجهات مع القوات المسلحة والأمنية السورية. وكون الفرز الإيديولوجي يسبق دائما “النصر العسكري”، فقد أزاحت الأطراف الأكثر تطرفا، حديثي العهد بالسلاح والقتال. تقدمت داعش والنصرة، المعززة بقرابة 120 ألف جهادي تكفيري من ستين دولة، على حساب الفصائل العاملة تحت أمرة الموم والموك، ثم تكسرت جبهة “أصدقاء الشعب السوري” مع تشكيل التحالف الدولي لمحاربة داعش.

تحالف مقاتلوا قنديل، الذين يخوضون حربا ضد الجيش التركي منذ أربعة عقود، مع الأمريكي وتمكنوا بدعم قوات التحالف الدولي من السيطرة على شرقي الفرات وجزء هام من شمال سوريا. هنا أصبح التقدم الأوجلاني يشكل خطرا على الأمن القومي التركي، فابتلعت القوات العسكرية التركية عفرين ودقت اسفينا بين كوباني والجزيرة. في وقت دخلت فيه قوات الأسد مدينة حلب وجزء هام من محافظة إدلب.

ما هي النتائج البشرية لهذه الحروب الفرعية؟ في وثيقة أساسية من وثائق “المؤتمر الوطني السوري لاستعادة السيادة والقرار” الذي عقد في 21-22 آب/أغسطس 2021 جرى وصف الحال بالقول:

“ثلث السوريين مشتت بين اللجوء والنزوح والتهجير القسري، وثلث أراضي البلاد في مناطق نفوذ متناحرة، وثلثيها يعيش أوضاعًا مأساويةً تحت نير سلطةٍ استبداديةٍ تسلطية.

لقد نجحت دول التدخل في الشأن السوري في انتزاع القرار السوري من كل السوريين، على اختلاف مواقعهم، ويسعى كلّ طرفٍ منها لتحقيق مكتسباتٍ ميدانية تضمن استمرارية نفوذه على القرار في دمشق أو في مناطق سيطرته في بلدٍ مدمر، ممزق الأشلاء، مبعثرٍ بين مناطق نفوذ خارجية وطرق مسدودة، يتبين اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، عجز غير السوريين عن إعطاء إجاباتٍ مقبولةٍ ومعقولةٍ للغد السوري، وأنّ الحلّ القابل لإعادة بناء اللحمة المجتمعية لا يمكن إلّا أن يكون صناعةً سورية.”

هل يمكن لنا اليوم أن نتحدث عن سوريا واحدة وشعب سوري واحد ودولة ذات سيادة؟

في الميدان، تسيطر السلطات الأمنية على أقل من نصف الأراضي السورية، وتحت نيران بطشها قرابة نصف سكان سوريا. وهي تتصرف بمنطق المنتصر عسكريا، وتعتبر أي انفتاح سياسي أو مجتمعي تنازلا عما حققته بفضل الدعم العسكري الروسي وميليشيات الحرس الثوري الإيراني. تستقبل المبعوث الدولي بعد ضغوط من الجانب الروسي، ليس لتنظيم جولات جديدة للتفاوض مع السوريين بمختلف مواقعهم، بل لإعطاء إذنٍ للجنة الدستورية بمعاودة اجتماعاتها الماراتونية التي لن تنهيها، إلا بعد اكتمال القراءة الروسية للقرار 2254، أي استبدال “الإنتقال” السياسي بسيناريو لا يتجاوز عملية تجميل وتطعيم لما هو قائم بمن يقبل التعايش معه بشروطه.

شرقي الفرات، اختفى تعبير “روج آفا” وحتوتة الكانتونات الثلاث التي تمتد من القامشلي إلى المتوسط، تسيطر وحدات حماية الشعب الأوجلانية، في ثوب قسد، على مناطق الثروة الغذائية والنفطية الأهم في البلاد، بحماية ودعم أمريكي مباشر. وتفرض على العرب والكورد والسريان والتركمان والشاشان إلخ سلطة أقلية عسكرية-أمنية تدار من قنديل. الدول الغربية تتابع مصير رعاياها “الجهاديين” في أكبر منتجع للاعتقال الجماعي خارج الحدود والقانون بالتنسيق مع “كادرو قنديل”. عندما كنا نطالب بإغلاق غونتانامو قبل خمسة عشر عاما، لم يخطر ببال أحد منا، أن غوانتانامو القادمة ستكون في الجزيرة السورية، بعشرة أضعاف النزلاء؟؟ وعندما حذرنا من ظاهرة المرتزقة الجدد منذ بلاك ووتر في العراق، لم يكن ببال أحد أن عولمة هذه الظاهرة ستتم قبل عام 2020؟ ليصبح لدينا بلاك تركي وفاغنر روسي وهازار إيراني إلخ.

تعطي مناطق السيطرة التركية في الشمال السوري والمخيمات السورية في تركيا الصورة الأكثر بؤسا ومأساوية لمآلات العسكرة. وقد حولتها اجتماعات الأستانة إلى مأوى قدماء “الثوار” الذين لم يقتنعوا بعد بأن النصر العسكري تجارة بيع للوهم تستثمر في الهدم والدم السوري. الفصائل المتبقية على قيد التسجيل عند المخابرات التركية تقتل في صراعاتها البينية على بيوت المهجرين ولقمة النازحين، أكثر ممن تعلن عنه شهيدا على يد قوات النظام أو قسد، لا أدري ما هي صلاحيات حكومة الائتلاف أو مؤقتة هتش، لكن من المؤكد أن علاقتها بالناس شبه صفرية، وأن تأثير بقايا الائتلاف عليها يثير السخرية. كيف يمكن لابن المخيم الذي يعيش من قلة الموت أن يحترم مشاهد تكريم أبو عمشة لمن يقدم له مراسيم الطاعة؟

يا للسخرية، هؤلاء القوم يطلقون على أنفسهم اسم قوى الثورة؟؟  

في أوربة، وباستثناء جمع من السوريين يناضل من أجل تغيير ديمقراطي حقيقي ومحاسبة لمجرمي الحرب من مختلف جبهات الصراع، تقديم ما تستطيع للاجئين والنازحين من مساعدات إنسانية تسمح لهم بالبقاء على قيد الحياة، ومن يحاول إعادة تنظيم الكوادر السورية في أطر مدنية وسياسية مستقلة.  لكن، ما زال حزب الغوغاء يخوض معاركه الوهمية مع من ينصبه عدوا وفق الظروف والأحداث في حالة ضياع عامة. ولعل في دمقرطة وسائل التواصل الاجتماعي ما يجعل نظام التفاهة سائدا في صفوف من يعتبر التخوين والتشهير والإساءة برنامجا سياسيا للخلاص.   

كم من الآلام أيتها الحرية؟ كم من الأوجاع أيها السوريون؟

لن أتوقف عند هذه الصورة المظلمة للأوضاع السورية وأحوال السوريين. وأعتقد أن مجرد وجود أصوات واحدة، تخرج من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الساحل، تؤكد على النضال المدني والسياسي السلمي، وتجمعها كلمات مفتاحية ثلاث: السيادة والمواطنة والديمقراطية.. فإن سوريا لن تمت، وشعبها الواحد لن يقبل ذل الغرباء ولؤم من باع واشترى بالدم السوري من الأذلاء..

رغم كل ما جرى، ثمة إنجازات تحققت في الوعي الجمعي السوري وفي الواقع:

أولها تهاوي الإسلام السياسي بكل أشكاله الجهادية والإخوانية، والكراهية السورية المتصاعدة لكل من تاجر بالطائفية والمذهبية.

ثانيها، المسخ الذي يعيشه أنموذج “الكادرو” الأبوجي، الذي انحدر إلى مهمة حراسة السجون وسرقة آبار النفط  واعتبار كل من يخالفه داعشيا!! سؤال بسيط طرحته ضحية سرطان بالتلوث البيئي من الاستخراج البدائي للنفط: ما هو الفرق بين حراقات داعش وحراقات قسد؟ هل اختلفت الضحية أم المستثمر؟

ثالثها، انقراض ما سمي بالجيش الحر بفصائله الألفية، وتحول بقاياه إلى “مرتزقة” تحت الطلب التركي؟

وأخيرا، بل لعله أولا: الموت الكامل للدكتاتورية الدموية في القلوب وفي العقول.. لدرجة تجعل العديد من أنظمة المنطقة والدول المتدخلة، تسعى جاهدة، فوق الطاولة أو تحتها، لإنقاذ ما تبقى منها.

بكلمة موجزة: سقطت كل الأقنعة، والسؤال المطروح على كل سوري اليوم: كيف يمكن للدكتاتورية وتفريخاتها، الاستمرار في حكم البلاد بعد كل ما تسببت به من فظائع؟

إننا نعيش مفترق طرق استثنائي، قد تطيل حقبته الزمنية التعقيدات الإقليمية والدولية، ولكن بالتأكيد، لن يكون لعمليات الترقيع الجارية، أن تشكل إجابة على الأسئلة الوجودية حول مستقبل بلد اسمه سوريا، وشعب قدم كل ما قدم من تضحيات أسطورية.

محاضرة بدعوة من مؤسسة جلجامش (كندا) في02/10/2021