تقدير موقف – التقارب بين دمشق وأنقرة

كان اللقاء الحاصل بين وزيري الدفاع السوري والتركي حدثاً مهماً أعاد بشكل أو بآخر الملف السوري إلى سلم الملفات المهمة ولو بتقدم بسيط سببه الوحيد، هو ليس أهمية الملف ذاته، بل أهمية الأطراف الدولية والإقليمية اللاعبة فيه، وتحديداً اللاعب التركي.

لن ندخل في تحليل أسباب اللقاء الذي انتقل من المستوى الاستخباراتي إلى المستوى الأمني بل والسياسي على مستوى وزراء خارجية دمشق وأنقرة بالتزامن مع تصاريح إعلامية عن احتمال تقارب أكثر قد يفضي بلقاء الأسد وأردوغان. ولن نكرر ما ذكرته تقارير إعلامية وتحليلات مراكز الأبحاث عن دور الانتخابات التركية المبكرة في صنع الحدث وأسباب هكذا تقارب فمن الواضح أن هذا اللقاء الأخير كان مسعى من حزب العدالة والتنمية لسحب هكذا ورقة من يد المعارضة التركية. فقد شملت وعود الرئيس التركي بشكل أساسي مواجهة التهديد الأمني المتمثل بتواجد قوات قريبة من حزب العمال الكردستاني في شمال سوريا بالإضافة إلى ملف اللاجئين السوريين حيث وعد الرئيس التركي بإعادة مليون لاجئ سوري من أصل ٣,٧ مليون. لكن المهم في الأمر هو التأكيد على صعوبة عقد صفقة سياسية تركية-سورية في ظل الظروف الراهنة.

منذ انطلاق مسار أستانة والعمل على مناطق لخفض التصعيد تم التفاهم الضمني بين الفاعلين في الملف السوري على مناطق النفوذ، مما يصور بشكل واضح عدم القدرة على الفعل السياسي في الملف السوري وانحسار العمل في تنسيق عسكري وإنساني في أحسن الأحوال. ذلك وبكل تأكيد، نتيجة لعدم الرغبة والقدرة للأطراف الإقليمية والدولية على تحقيق حل شامل للأزمة السورية من جهة، مع تلاشي ما سمي مجموعة “أصدقاء الشعب السوري” و”مجموعة العمل المصغرة” وصيروة من يتابع منها الملف السوري إلى ناقد ورافض دون أية مبادرات بناءة من جهة، وانعدام وجود قوى سياسية سورية ذات تأثير جماهيري وحالة الوهن والتبعثر التي طالت مختلف التعبيرات السياسية السورية من جهة ثانية.

ينظر المؤتمر الوطني السوري لاستعادة السيادة والقرار بعين الحذر لهذا التقارب والذي يؤكد بوضوح أن الملف السوري أصبح رهينة ترتيبات جيوسياسية بمعزل عن إرادة الشعب السوري وتطلعاته. ففي الوقت الذي يرحب فيه المؤتمر بأي مبادرة ديبلوماسية من شأنها أن تعيد الحياة للحل السياسي في سوريا وفق قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤ تساهم في تخفيف المعاناة عن أهلنا المحاصرين، لكنه، أي المؤتمر، يرفض أية اجراءات قسرية من شأنها زيادة ألم وقهر السوريات والسوريين وعلى رأسها ملف التغيير الديمغرافي في المناطق الشمالية والعودة القسرية للاجئات واللاجئين في تركيا.

إن إعادة القرار إلى أيدي السوريات والسوريين يمثل أساس عمل المؤتمر وسعيه الدائم نحو تغيير جذري يصب في بوتقة السيادة والمواطنة والتحول الديمقراطي السلمي، عبر تكثيف الحوار مع القوى السياسية والنقابية والمدنية من أجل الخروج بموقف موحد يسخر التقلبات الجيوسياسية لصالح مستقبل آمن للسوريات والسوريين داخل وخارج الأراضي السورية.