كيف تستعيد القضية السورية المكانة التي تستحق ؟

مرام داؤد

كان انعقاد المؤتمر الوطني السوري لاستعادة السيادة والقرار حدثا استثنائيا جمع من التيارات والقوى السياسية في هيئة عامة واحدة، لأول مرة، أكثر من خمسين تياراً مدنياً وسياسيا حول ميثاق وطني مشترك واحد، وخارطة طريق تعتمد قرارات الأمم المتحدة مرجعيتها السياسية.

إذا تأملنا الخارطة المدنية وجدنا منظمات حقوقية ونقابية تعمل في الميدان في ظروف أمنية صعبة وحصار إعلامي ومادي كبير. أما الشخصيات السياسية فقد دفعت ثمن استقلال موقفها وقرارها ثمنا باهظا. فكل الذين استقالوا من الإئتلاف، مثلا، اعتراضا على حالة العطالة والعصبوية وغياب النزاهة والتكسب الشخصي والولاء والتبعية، وُضعوا على لائحة الإبعاد والتهميش، إضافة إلى نخبة من الضباط المنشقين يعيشون في ظروف لا إنسانية نتيجة رفضهم العمل لغير مشروع وطني. لقد اختلفت القوى الإقليمية في كل شيء إلا في قضية إبعاد مستقلي الإرادة والموقف في الهياكل التي تشكلت في السنوات الخمسة الأولى للثورة. ولعل ماحصل مع “مؤتمر القاهرة 2015” يُعد خير مثال على اجتماع دول تعيش مواجهات سياسية مفتوحة في وقت تتوافق فيه على إبعاد هذا الحدث وشخصياته من مؤتمر الرياض واللجنة التفاوضية واللجنة الدستورية.

قال لي صحفي سوري من إحدى القنوات: “طلبت من الإدارة تغطية المؤتمر، فوافقوا إذا قمت بإثبات أن أية محاولة لضرب الائتلاف محكوم عليها بالفشل، قلت لهم: لكن المؤتمر لا يتعرض لموضوع الائتلاف كما قرأت في وثائقه، كان الجواب: هذه محاولة إماراتية سعودية لاستبدال الائتلاف ومهمتنا كمحطة مناصرة للثورة إفشالها. بعد أن حجزت في الفندق والقطار، قررت أن أمرض واعتذر عن هذه المهمة”.

منذ الجلسة الثامنة والأخيرة للمفاوضات، لم تعد الهوامش المسموح بها تركياً لكل المقيمين من السوريين في تركيا ومناطق نفوذها شمال سوريا ذات أهمية تذكر كقوى سياسية وعسكرية ومدنية. وانعكس ذلك بشكل كارثي على لجنة التفاوض التي سعت تركيا لوضعها تحت عباءة القرار التركي بشكل كامل. الأمر الذي دفع المملكة العربية السعودية لوقف مساعداتها لجسم أقل من قلة قليلة من السوريين تتعرف على نفسها به. وهذا تعبير جد مؤدب لوصف حالة الاحتضار التي تعيشها اللجنة التفاوضية. بقي في الميدان العربي والدولي كما يقول أحد رسامي الكاريكاتير السوريين: “اللجنة الدستورية التي كانت واحدا من مخرجات مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي، بعد الترضية التي جرت بإعطاء مقاعد المعارضة للجنة التفاوضية التي تحولت اسماؤها إلى كتبة دستور.. لا أحد يتكلم في القرار 2254، صار موضوع الحكم الانتقالي على الرف، كذلك كل إجراءات بناء الثقة ونقاط كوفي عنان التاريخية الستة. نجح الطرف الروسي بتوافقات مع التركي وبحضور التوقيع الإيراني في مسح قرارات سوتشي واستبدالها بفقرة يتيمة حاصر بها المبعوث الدولي الذي قبل باختزال المفاوضات السياسية بالسلة الدستورية مقابل عودة المتفاوضين إلى جنيف للعمل فقط على هذا الملف. نظمنا عدة مداولات وندوات لتوضيح مخاطر هذا التقزيم. وكانت كلها بعنوان واضح، حول “مخرجات سوتشي” بأكملها. منذ بحر عام 2018،  كان تيارنا يحذر من وضع باقي قرارات سوتشي، التي تمثل موافقة شبه رسمية عبر مؤتمر كانت الأغلبية الواضحة للحضور فيه مما يسمى “الموالاة” على النقاط الإثني عشر للسيد ستيفان ديميستورا، في سلة واحدة. لذا استنفرنا للعمل على بناء أصوات وطنية مستقلة وشبكات سورية غير قابلة للإحتواء الإقليمي والدولي، وأيدنا وتحاورنا في الوقت نفسه، مع كل المحاولات السورية التي تلتقي معنا في جوهر الفكرة ولو اختلفنا في نقاط أخرى. كان من الواضح لنا، كما قال أحد المشاركين حرفيا في لقاء مغلق حول مخرجات سوتشي، نظمه مجلس الكنائس العالمي والمعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان وملتقى حوران للمواطنة في جنيف قبل ثلاث سنوات: “إن اختزال العملية السياسية باللجنة الدستورية سيؤدي بالضرورة لقتل ملفات عاجلة كقضية اللاجئين والنازحين، مشكلة المعتقلين والمفقودين، المساعدات الإنسانية لبلد يعيش من قلة الموت، والتخلص من المجموعات الإرهابية غير السورية في مختلف الجبهات”.

ثلاث سنوات تسجل فيها تراجعا كبيرا في الاهتمام الدولي بالقضية السورية، وتشتيتا في جهود القوى السورية الناشئة في أوروبا التي وصلها أكثر من مليون سوري. لم يعد الائتلاف طرفا يستقبل باحترام إلا في دولتين في العالم، تركيا وقطر، ولم يعد الضخ المالي له ولجولات يقوم بها محل اهتمام أي بلد مؤثر. وليس من الغريب أن يقول سفير دولة أوروبية التقيناه في 2020: “ليست المشكلة في الكورونا، مشكلة السوريين في غياب من يدافع عنهم من السوريين أولاً”.

من أجل هذا، ولأن جيلنا يرفض أن تسجل هزائم الآخرين باسمه، نعتقد بضرورة إحياء العمل من أجل التغيير في سوريا بكل الوسائل السلمية في الداخل والخارج، وبضرورة أن يضع المعارضون الشرفاء المستقلو الإرادة والقرار نصب أعينهم، مهمات أساسية تعيد القضية السورية إلى الصدارة. علينا بناء جماعات ضغط للتأثير على المواقف الأوروبية، التي اختزل بعضها بحل مشكلة رعاياها في سجن الهول، أو صفقات مساعدات للاجئين في تركيا مقابل تعاون تركي لعدم انتقال اللاجئين إلى أوروبا، وغيرها من مواقف جبانة ومضطربة.

علينا تفعيل شبكة علاقات جيدة مع المجتمع المدني الأوربي لإبقاء سوريا في مراكز اهتمامها، والتواصل مع الطاقات السورية الفكرية والمادية للعمل من أجل انقاذ وطن مهدد بمزيد من الدمار. لا بد لجيلنا، جيل الثورة، أن يمتلك قدرة التجديد والابتكار في وسائل النضال اليومية. نحن بحاجة إلى سبر كل السبل التي تسمح باسماع صوت جديد مختلف عن كل الإطروحات البالية الملوثة بالعنف والتطيف والتبعية، صوت يحمل في ضميره ونضاله السيادة والمواطنة والتغيير الديمقراطي، وكلي ثقة، بأن لهذا الصوت أصداء عند أحرار العالم.

لم تعد، للأسف، منذ مؤتمر سوتشي، مهمة المبعوث الدولي تهتم بما كُلفت به من مجلس الأمن، أي القرار 2254، ولا بد لنا كسوريين، أن نشكل قوة الدفع والاقتراح والمبادرة بل والضغط، من أجل إعطاء الصوت لكل المقتنعين بأن قرارات الأمم المتحدة تشكل السبيل الأهم والوحيد اليوم، لتسوية تاريخية بين مختلف السوريين، ولكن باستعارة جملة الشبيبة اللبنانية في شوارع بيروت: “كلها يعني كلها”.

———————————————- 

مرام داؤد : من رموز الحراك الشبابي السلمي، انتخب مبكرا لمواقع قيادية في أكثر من تجربة نضالية، انتخب عضوا في الأمانة العامة للمؤتمر الوطني السوري لاستعادة السيادة والقرار. باحث ومدرب متطوع في المعهد الاسكندنافي لحقوق لحقوق الإنسان