الديمقراطية …. باعتبارها الوصفة السحرية

ماجد حبو // 

تلازمت في الأدبيات السياسية كلمتا ” السياسة والديمقراطية ” كأكثر كلمتين مكملتين لبعضهما الأخر , على الرغم من الغياب الفاضح في كثير من الأوقات لتلازمهما في ذات الجغرافيا و التاريخ السياسي معا .

انه وبأعتبار التعريفات العديده والتنوعة ” للسياسة ” سنكتفي في السياق بأكثر التعابير شيوعا : السياسة هي فن ادارة الصراع بين الحاكم والمحكوم .

وفي هذا السياق ايضا نضجت وتطورت فكرة ” الديمقراطية ” : بأعتبارها الشكل السلمي الأرقى لأدارة ذلك الصراع ” أقتصاد القوة ” .

تتميز السياسة وفق التعريف السابق بأعتمادها على ” القوة ” في تأكيد الحاكم لسطوته وفق منحنين أثنين : فكل سلطة تطمح في المقام الأول الى تثبيت وأمتداد سلطتها على كامل الجغرافيا السياسية لها , والى أصغر الهيئات الأجتماعية كذلك , وفي المقام الثاني الى تأمين اعادة انتاج نفسها في القادم من الحياة السياسية , والحال كذلك تعتمد على مجموعة من القيم والسياسات ” اديولوجيا ” لخدمتها في هذا المجال .

ليس من السهل وضع تاريخ محدد للسياسة في حياة البشرية , لكن من المؤكد بأنها بدأت مع الملكية أو قبل ذلك بقليل , وأعتمدت فيما اعتمدت عليه : الأسطورة , قوة وجبروت الطبيعة , القدرة الجسدية , كثره وعدد الاتباع من الآسره – العشيرة , هكذا بدأت التجليات الأولى للسياسة من خلال زعيم القبيلة , بل وتلازم الدورين لزعيم العشيرة وكاهنها في شخص واحد .

تطور علم السياسة بتطور وتعقد المجتمعات واتساعها , فبات من الضروري وجود هيئات لاحقة ومكمله لسلطة ” السلطان – الملك – الزعيم …” مع الكلمة الفصل في كل حياة المجتمع له بلا منازع , وباتت السلطة تطمح الى شرعية ” خالدة مقدسة ” لكل سياساتها , فكان الزعيم : هو مشيئة الرب , وهو عناية السماء , الحاكم العادل , رغبة الجموع ….

وكانت الحاجه ملحه الى تنظيم شكل سلمي للنزاع داخل الطبقة السياسية لدرء الخطر من دخول الغوغاء الى محراب السياسة , هكذا  أوجدت الديمقراطية في حياة نبلاء اليونان ” الخمسمئه المختارين – البويل ” من ينظم الحياة العامة للبشر ” كان يتم تعيينهم وليس انتخابهم ” اما من كان يحق له التصويت أو الأنتخاب فهم فقط الرجال البالغين فقط من دون النساء أو الغرباء والعبيد !!!!

هكذا كانت البداية , ثم تطورت الآلية , وخصوصا في ظل العنف والحروب الى توسيع دائرة المشاركين , فلم يعد الأمر مقصورا على النبلاء والأمراء بل تعدى ذلك الحق الى الملاكين وأصحاب الثروة , فكان الناخب في انكلترا القديمة يتحدد بحسب الدخل الذي يتمتع به , ومن ليس له جنحة أو جناية سياسية .

من المفيد الأشارة الى أن الديمقراطية أمتلكت ” عصاها ” الخاصة بها من خلال الزام 49 بالمئه من المقترعين الى سطوة اصحاب 51 بالمئه الفائزين . مع الحق لهم بالأحتفاظ برأيهم والنضال للوصول الى تعديل النسب .

وتقدمت الديمقراطية خطوات الى الأمام من خلال ” طرح تعديل النسب ” من جديد , فجاءت الفكرة القاضية لتحقيق الفوز المتطلبة بنسبه 75 بالمئه من المشاركين وصولا الى ” الأجماع ” وهو نسبه مئه بالمئه !!!!

اذا كانت السلطة تعني ” قوة الحق السياسي ” فالمقابل لها هي ” الحرية السياسية ” .

ثمه خلط مقصود للتنازع بين السلطة والديمقراطية !! والأصح هو بين السلطة والحرية .

ذلك يشير وبوضوح الى الحدود والترتيبات الخاصة ” بالديمقراطية ” كشكل لتنظيم النزاع , وليس الغاءه أو تجاوزه , وهو ما نلحظه بوضوح في الكيانات والأيديولوجيات المتعدده : فهناك الديمقراطية الماركسية , والديمقراطية البرلمانية , والليبرالية , الشعبوية , الدينية …. وهي متكيفه كما يجب مع ” طبيعه النزاع السياسي بكل وحده ” .

وبالعودة الى الآصل ” السياسة ” كفن ادارة الصراع بين الحاكم والمحكوم يتقدم الشكل الديمقراطي مع استرخاء السلطة في مواجهه خصومها , وتتبدل الأدوار في حال التهديد الجدي للسلطة من خارج صفوفها و وتكشف السلطة عن امكانياتها في ” العنف المجرد والعاري ” تحت مسميات ” سطوة القانون وسلطته – الشرعية ” .

من المثير للملاحظة هي ذات الآليه – وبشكل أكثر جفافا وخشونة – فيما ينظم العلاقات السياسية بين الدول ” مجلس الأمن الدولي , منظمة الأمم المتحدة , والكثير من المنظمات الدولية حيث تخضع العلاقات الدولية الى ” فرض مسبق ” ” حق الأعتراض – الفيتو ” عندما تتعرض عده دول بعينها وحلفائها الى الخطر الجدي ” هي الدول الخمس دائمة العضوية ” وبالتالي تذهب أدراج الريح كل الشرعية الدولية المزعومة بقوانينها وآليات عملها الديمقراطية !!!

ليس ما سبق يدعو الى رفض أو نبذ ” الشكل الديمقراطي ” لتنظيم النزاعات السياسية داخل المجتمعات الأنسانية , بل العكس تماما هو المطلوب :

تطوير آليات العمل الديمقراطي بغض النظر عن طبيعة البنى السياسية القائمة ” الديمقراطية هي أرث لكل البشرية – ومن غير المجدي أختراع العجلة في كل مره ” .

الأستفادة من تجارب وأبداعات الشعوب الأخرى في تجاربها الخاصة .

أعتبار الديمقراطية آليه بنية قائمة بحد ذاتها وفق صيغه ما فوق سياسية .

أعاده توزيع السياسة وفق مكانيزمات صغيرة داخل السلطة أولا والمجتمع تاليا لتجنب تركيز السلطة في قله من السلطة أو الأفراد .

اعادة تعريف وضبط العمل السياسي – كعمل مجتمعي دعوي , نشاط مدني – في مواجهه احتكار كل الفعل السياسي كفعل سلطة .

وبالنهاية يبقى العقل البشري خزان لاينضب من الأفكار والحلول يجب خلق الظروف له كي يبصر النور .

اذا كانت السياسة ” وبالا ” في بعض المناحي الحياتية , واذا كانت الديمقراطية ” ليست وصفه سحرية ” لحل المشكلات فذلك لايعني مطلقا الأعتزال والأستنكاف كمن يرمى الطفل مع الغسيل الوسخ .

 

ماجد حبو